جناية الغلو على منهج السلف — دراسة نقدية شاملة للفرقة الحدادية

الردود العلمية 3 مايو 2026 1 قراءة

مقدّمة

الحمدُ لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمّا بعد:

فإنَّ من أعظم ما بُلِيَتْ به الأمّة الإسلاميّة في عصورها المتأخّرة، نبتةَ غلوٍّ شَوَّهَتْ جمالَ السنّة، وألبسَتِ المنهجَ السلفيَّ ثوبًا ليس له، ثوبًا من القَسوة والجفاء، والتسرُّع في التكفير والتبديع، وإسقاط الرموز العلمائيّة التي أجمعت الأمّة على فضلها. إنّنا نتحدّث عن «الفرقة الحدّاديّة»، تلك الطائفة التي تَزعُم الانتسابَ للسلف، والسلفُ منها براء.

يهدف هذا البحث إلى تفكيك البِنية الفكريّة لهذه الجماعة، وكشف تناقُضات رموزها المعاصرين، وبيان المنهج الحقّ في التعامل مع أخطاء العلماء.

المبحث الأوّل: التأصيل التاريخي والمنهجي للحدادية

أوّلًا: النشأة والتسمية

لا تُعدّ «الحدّاديّة» فِرقةً قديمة في كتب المِلَل والنِّحَل، بل هي نبتةٌ خبيثةٌ حديثةٌ، تُنسب إلى مؤسِّسها محمود الحدّاد المصري (المولود سنة 1374هـ). بدأ هذا الرجلُ مسيرتَه متستِّرًا بعباءة السنّة، ومُشاركًا لبعض المشايخ في الردّ على المخالفين، لكنّه سُرعانَ ما انشقّ بمنهجٍ خاصٍّ يقوم على «الغلوّ المُفرِط» في تَبديع الأموات ونَبْش قبور العلماء لاستخراج زلّاتِهم، مُخالِفًا بذلك حتى من كان معهم في خَندق الردّ على الحِزبيِّين.

ثانيًا: الأصول الفاسدة للمنهج الحدّادي

لقد قامت هذه الفِرقة على أصولٍ تَهدِم قواعدَ الشريعة في العذر والرحمة والعدل، ومن أخطر هذه الأصول:

  1. إسقاط الموازنة والعدل: يَرَوْن أنَّ ذكر حسنات العالم عند نقد خطئه هو نوعٌ من «التمييع»، ضاربين بعَرض الحائط قولَ الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾.
  2. سلسلة التبديع اللانهائيّة: اعتمدوا قاعدة «من لم يُبدِّع المُبتدِع فهو مُبتدِع». وهذه القاعدة الفاسدة تؤدّي إلى تسلسلٍ لا يتوقّف.
  3. إلغاء العذر بالاجتهاد: لا يُفرّقون بين «المُبتدِع الداعية المُعانِد» وبين «العالِم المُجتهد المتأوّل».
  4. استباحة علماء الأمّة: جعلوا الطعن في الأئمة دِينًا يَدينون به.

المبحث الثاني: جنايتهم على أعلام الإسلام

إنَّ أخطر ما في هذا المنهج هو هَدْمه للقُدوات والمرجعيّات العلميّة، ممّا يَجعل الشبابَ فريسةً للجهل والتيه.

أوّلًا: الإمام النووي

يُعدّ الإمام يحيى بن شرف النووي (صاحب «رياض الصالحين» و«شرح صحيح مسلم») هدفًا رئيسًا لسهام الحدّاديّة. شُبهتُهم: تَأويلُه لبعض صفات الله، وقد وَصل ببعض غُلاتِهم — كمحمد شمس الدين — إلى القول بأنّه «مات لا يعرف ربّه»!

الردّ المُنصِف: النووي مجتهدٌ متأوّل، وقد قرَّر شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّ المتأوّل في مسائل الصفات إذا كان حريصًا على اتّباع الرسول ﷺ فهو معذورٌ ومأجور على اجتهاده. وقد أَطبقت الأمّة على تَلقّي كتبه بالقَبول — وهذا شهادةٌ من الله له بالإخلاص والبركة.

ثانيًا: الإمام أبو حنيفة النعمان

تجرَّأَ غِلمان الحدّاديّة على تكفير وتبديع الإمام الأعظم أبي حنيفة، متمسِّكين بروايات تاريخيّة مكذوبة أو مقطوعة السياق. الموقف الحقّ: أبو حنيفة إمامٌ من أئمة السلف، اتّفق المسلمون على إمامته في الفقه. وما نُسِبَ إليه من أقوال إن ثَبَتت فهي اجتهادٌ له فيه تأويل، ولا تُسقِط مكانته.

المبحث الثالث: رموز الفتنة المعاصرة

في عصرنا الحاضر، تجدَّد هذا الفِكر عبر شخصيّات استغلَّت وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الفُرقة، وعلى رأسهم: محمد شمس الدين، عبد الله الخُليفي، عبد الرحمن دمشقية. وقد فصَّلنا أحوالهم في قسم «رموز الفتنة».

المبحث الرابع: قواعد أهل السنّة في الردّ على الحدادية

لِحماية الشباب من هذا الفِكر، يجب ترسيخ القواعد التالية:

  1. العصمة للرسل فقط: كلُّ عالِم يُؤخذ من قوله ويُردّ، إلا رسول الله ﷺ.
  2. الفرق بين المقالة وقائلها: قد يكون القولُ بدعةً ولا يَكفُر القائل به حتى تُقامَ عليه الحُجّة.
  3. رِعاية المصالح والمفاسد: الكلام في العلماء للنصيحة لا للتشهير.
  4. الحُكم بالظاهر: ولنا الظاهر من أعمال العلماء.

خاتمة: نداءٌ إلى العقلاء

إنّ «الحدّاديّة» اليوم تُمثّل خِنجرًا مسمومًا في خاصرة أهل السنّة. هم يُشغِلون الأمّة بمعارك «الأرشيف» ونَبْش القبور، في وقتٍ تُذبَح فيه الأمّة في غزّة وغيرها، وتُواجه طوفان الإلحاد والشذوذ. إنّ نُصرة الدين لا تكون بالطعن في النووي ولا بتكفير ابن حجر، بل تكون بنشر العلم النافع، والعمل الصالح، والاجتماع على التوحيد.

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

كلّ المقالات الذبّ عن الأئمة
من الفئة نفسها

مقالات ذات صِلة