منهج السلف الحقّ

قواعد أهل السنّة في التعامل مع المُخالفين

بَعد كَشف غُلوّ الحدّاديّة، نُقرِّر قواعد أهل السنّة في الجَرح والتعديل، والتعامل مع أَخطاء العلماء على ميزان الكتاب والسنّة وفهم السلف.

القواعد الحاكِمة

ثَماني قواعد جامِعة

هذه القواعد تَنسف غُلوّ الحدّاديّة من جُذوره، وتَردّ كلّ شُبهةٍ لهم إلى أَصلها الصحيح.

01. العِصمة للرُّسل فقط

كلّ عالمٍ يُؤخذ من قَوله ويُردّ، إلا رسول الله ﷺ.

تَفصيل أَكثر
قال الإمام مالك: «كلٌّ يُؤخَذ من قَوله ويُردّ، إلا صاحب هذا القَبر» (ورسول الله ﷺ). خَطأ العالم — كائنًا من كان — لا يُوجِب هَدْر كَرامته ولا نِسيان فَضله. والاجتهاد المُخطئ مأجور، والزَّلَّة لا تُسقط الإمامة. لكن الحدّاديّة قَلبوا الميزان: جَعلوا أَنفسهم معصومين، ونَزَّلوا أَخطاء العلماء منزلة الكُفر!

02. الفَرق بين المَقالة وقائلها

قد يكون القَول كُفرًا أو بدعة، ولا يَلزم تَكفير قائله أو تبديعه حتى تُقام عليه الحُجّة وتَنتفي الشُّبهة.

تَفصيل أَكثر
الإمام أحمد بن حنبل صَلَّى خَلف المُعتزلة في فِتنة خَلق القرآن، ودَعا للخليفة الذي جَلَده، رغم بِدعتهم الغَليظة. هذا مَنهج السلف: تَنزيل الأَحكام على الأَعيان لا يَكون إلا بتَحقُّق الشروط وانتفاء الموانع. والقول العام لا يَلزم منه الحُكم على المُعَيَّن.

03. رِعاية المَصالح والمَفاسد

الكلام في العلماء والجَرح والتعديل ليس للتَّشهير، بل للنَّصيحة، ولا بُدَّ من ميزان المَصلحة.

تَفصيل أَكثر
إذا كان الكلامُ سيُؤدّي إلى فِتنة أعظم — كإسقاط هَيبة الدين، أو نُفور الناس من السنّة، أو شَقّ الصفّ — فالسُّكوت أَولى مع بَيان الحقّ دون تَجريح الأَشخاص. هذا فِقه السلف الذي ضَيَّعتْه الحدّاديّة، فأَحدثوا فِتنةً أَعظم من البِدع التي يُنكرونها.

04. الحُكم بالظاهر وتَرك السرائر

لنا الظاهر من أعمال العلماء وجِهادهم في نُصرة الدين، ولا يَجوز التنقيب عن النوايا.

تَفصيل أَكثر
النبي ﷺ قال لأسامة بن زيد لمَّا قَتل من قال «لا إله إلا الله»: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟!». فإذا كان هذا في رجلٍ واحد، فكيف بأئمّةٍ أَفنَوا أَعمارهم في خِدمة السنّة؟ ولا يَجوز تَحميل أَقوال العلماء لَوازمَ لم يَلتَزِموها.

05. العَدل والإنصاف والمُوازَنة

تُذكَر الحَسنات والسيِّئات معًا، ولا تُلغى المَحاسن بزَلَّة، ولا يُغطّى الخَطأ بالمَحاسن.

تَفصيل أَكثر
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾. القِسط هو العَدل، والعَدل يَستوجِب المُوازَنة. ومن لم يَذكُر إلا السيِّئات فقد ظَلم وخَانَ الأَمانة.

06. التفريق بين المُبتدِع الداعية والمأخوذ بالبِدعة

يُفرَّق بين الداعية المُعاند المُصرّ، وبين المُتأوِّل المُجتهد الذي وَقع في خَطأ.

تَفصيل أَكثر
الأَول يُحذَّر منه ويُهجَر، والثاني يُنبَّه على خَطئه مع حِفظ منزلته. والحدّاديّة لا يُفرّقون بين الاثنين، فيُبدِّعون الجَميع. وهذا غُلوٌّ يَردّه ميزان الشريعة وفِقه السلف.

07. احترام العلماء وسَتر زَلَّاتهم

العلماء لهم حُرمة ومَكانة في الإسلام، وزَلَّاتهم تُستَر إلا لمَصلحةٍ راجحة.

تَفصيل أَكثر
«لُحوم العلماء مَسمومة، وعادة الله في هَتك أستار مُنتقصيهم معلومة». هذا قَولٌ معروفٌ عن أهل العلم، يَردُّه التاريخ تكرارًا. والحدّاديّة يَتتَبَّعون عَورات العلماء ويَنشرونها، وهذا غِيبةٌ ووَقيعة وتَنقيب عن الزلَّات.

08. الاحتكام للدليل لا للأَشخاص

يُقبَل قَول العالِم حيث وافَق الدليل، ويُخالَف حيث خالَفه، مع حِفظ المنزلة.

تَفصيل أَكثر
الاتّباع للحقّ لا للأَشخاص. ولا يَلزم من تَبجيل العالم تَقديسُه ولا الموافقةُ في كلّ شَيء. كذلك لا يَلزم من نَقده إسقاطُه. هذا منهج السلف: عَدلٌ في الحُبّ وعَدلٌ في الانتقاد.

خاتِمة جامِعة

المنهج الحقّ عَدلٌ وإنصافٌ ومُوازَنة. والعلماء لهم حُرمة، وزَلَّاتُهم تُستَر إلا لمَصلحةٍ راجحة. ومن ادَّعى منهج السلف فلْيَلزَمه — لا أن يُخالفه باسمه.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾