منهج السلف الحقّ

قواعد أهل السنّة في التعامل مع أخطاء العلماء

بعد بيان غُلوّ الحدّاديّة، نُقرِّر قواعد أهل السنّة في الجَرح والتعديل، والتعامل مع أخطاء الأئمة على ميزان الكتاب والسنة وفهم السلف.

القواعد الحاكمة

ثمانُ قواعد جامعة

هذه القواعد تَنسف غُلوّ الحدّاديّة من جذوره، وتَردّ كلَّ شُبهة لهم إلى أصلها الصحيح.

العصمة للرسل فقط

كلُّ عالمٍ يُؤخذ من قوله ويُردّ، إلا رسول الله ﷺ.

خطأ العالم — كائنًا من كان — لا يوجِب هدْر كرامته ولا نسيان فضله. هذا أصل قرآني وعقلي: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾، فمن باب أولى ألا يُعصَم من الخطأ. لكنّ الزلّة لا تُسقط الإمامة، والاجتهاد المخطئ مأجور.

الفرق بين المقالة وقائلها

قد يكون القولُ كفرًا أو بدعة، ولا يلزم تكفير قائله أو تبديعه حتى تُقام عليه الحجّة وتنتفي الشبهة.

الإمام أحمد بن حنبل صلَّى خلف المُعتزلة في فتنة خلق القرآن، ودعا للخليفة الذي جلَده، رغم بدعتهم الغليظة. هذا منهج السلف: تنزيل الأحكام على الأعيان لا يكون إلا بتحقُّق الشروط وانتفاء الموانع.

رعاية المصالح والمفاسد

الكلام في العلماء والجرح والتعديل ليس للتشهير، بل للنصيحة، ولا بدّ من ميزان المصلحة.

إذا كان الكلامُ سيؤدّي إلى فتنة أعظم — كإسقاط هيبة الدين، أو نُفور الناس من السنة، أو شقّ الصفّ — فالسكوتُ أَولى مع بيان الحقّ دون تجريح الأشخاص. هذا هو فقه السلف الذي ضيَّعتْه الحدادية.

الحكم بالظاهر وترك السرائر

لنا الظاهر من أعمال العلماء وجهادهم في نصرة الدين، ولا يجوز التنقيب عن النيّات.

النبي ﷺ قال لأسامة بن زيد لمّا قتل من قال «لا إله إلا الله»: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟!». فإذا كان هذا في رجل واحد، فكيف بأئمة أفنوا أعمارهم في خدمة السنة؟ ولا يجوز تحميل أقوال العلماء لوازمَ لم يلتزموها.

العدل والإنصاف والموازنة

تُذكر الحسنات والسيئات معًا، ولا تُلغى المحاسن بزلّة، ولا يُغطّى الخطأ بالمحاسن.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾. القِسط هو العدل، والعدل يَستوجب الموازنة. ومن لم يَذكُر إلا السيّئات فقد ظلم وخانَ الأمانة.

التفريق بين المبتدع الداعية والمأخوذ بالبدعة

يُفرَّق بين الداعية المعاند المُصرّ، وبين المتأوِّل المجتهد الذي وقع في خطأ.

الأول يُحذَّر منه ويُهجر، والثاني يُنبَّه على خطئه مع حِفظ منزلته. والحدادية لا يُفرّقون بين الاثنين، فيُبدِّعون الجميع. وهذا غُلوّ يَرِدّه ميزان الشريعة.

احترام العلماء وستر زلَّاتهم

العلماء لهم حُرمة ومكانة في الإسلام، وزلّاتهم تُستَر إلا لمصلحة راجحة.

«لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هَتك أستار مُنتقصيهم معلومة». هذا قول معروف عن أهل العلم، يَرِدّه التاريخ تكرارًا. والحدادية يَتتبَّعون عَورات العلماء ويَنشرونها، وهذا غِيبةٌ ووَقيعة.

الاحتكام للدليل لا للأشخاص

يُقبل قول العالم حيث وافق الدليل، ويُخالف حيث خالفه، مع حفظ المنزلة.

الاتباع للحقّ لا للأشخاص. ولا يلزم من تَبجيل العالم تقديسُه ولا الموافقةُ في كلّ شيء. كذلك لا يلزم من نَقده إسقاطُه. هذا هو منهج السلف: عدلٌ في الحبّ وعدلٌ في الانتقاد.

خاتمةٌ جامعة

المنهج الحقّ عَدلٌ وإنصافٌ ومُوازنة. والعلماء لهم حُرمة، وزَلَّاتُهم تُستَر إلا لمصلحةٍ راجحة. ومن ادَّعى منهج السلف فلْيَلزمه — لا أن يُخالفه باسمه.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾